أحمد بن محمد ابن عربشاه

42

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وجبذ عنانه فهمزه ولكزه « 1 » وضربه ووخزه ، فزاد جموحا وماد جموحا ، فتجاذبا العنان فانقطع ، وكاد أنوشروان أن يقع ، فلاطف الفرس فاستكان ونجا بعد أن كاد يدخل في خبر كان . فلما وصل إلى محل ولايته واستقر راجف قلبه من مخافته دعا بسائس المركوب ، فلبى دعوته وهو مرعوب فلعنه وشتمه وأراد أن يقطع يده وقدمه وقال : تلجّم هذه الداهية بلجام سيوره واهية فانقطعت في يميني وكاد الفحل يرميني ، ثم دعا بالمقارع وبالجلاد ليقطع منه الأكارع « 2 » . فقال السائس المسكين : أيها الملك المكين وصاحب العدل والتمكين أسالك باللّه الذي رفعك إلى هذا المقام أن تسمع لي هذا الكلام . فقال : قل ولا تطل . قال : كأن هذا العنان يقول وكلامه فصل لا فضول ، ومقولة قريب من العقول ، الملك أنوشروان سلطان الإنس وفرسه سلطان هذا الجنس ، وقد تجاذبنى قوة سلطانين ، فأين لي طاقة هذا الثبات لهما ومن أين ، لا جرم ذهب منى الحيل ، فتمزقت بين سلطان الإنس وملك الخيل ، فأعجب أنوشروان من السائس هذا البيان فأنعم عليه وأطلقه ومن رقّ عقابه وعذابه أعتقه . وإنما أوردت هذا البيان ؛ ليتحقق مولانا السلطان أن حركاته ملكة الحركات ، وصفاته سلطانة الصفات ، وكلامه ملك الكلام فلا يصرفه في كل مقام ، وليصنه بالتأمل قبل القول ، وليحتط لبروزه ويحفظه بالصدق والطّول « 3 » ، وإذا أمر بأمر فلا يرجع فيه بل يستمر على ما أمر به لئلا يقال سفيه .

--> ( 1 ) ضربه بجمع كفيه . ( 2 ) الأكارع مفردها ، كراع : ما دون الركبة من مقدمة الساق . ( 3 ) الفضل .